Feeds:
Posts
Comments

Archive for the ‘مقالات’ Category

الحمد للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله

بسم الله نبدأ

 فإنه فيما قدر ورد لنا ولكم وشوهد من قبلنا وقبلكم من تصدر المهندس/الشيخ عاصم عبد الماجد للمشهد السياسي من جانبِ-موائمي الرئيس ومواليه- وتصريحاته المثيرة للذهول أحياناً والضحِك أحياناً أخرى وللاندهاش آونة كُثر، وللحزنِ من مآل من يسمون أنفسهم بالحركة الإسلاميّة، توجبَ على مثلي ممّن توفرت لهم المصادر أن يقولوا شيئاً من قبيل التعقيب للخروج ممن – كتموا العلم – ولمصلحة البلاد والعباد. 

من فيض تصريحات عاصم عبد الماجد الأخيرة التي تمتليء تكفيراً وتفسيقاً وسباباً وإخراجاً من الملّة لكل من خرج ينتقدُ رئيسه -مرسي- ويطالبَه بالتنحي وأن – يحلّ عن سمانا بقى عشان كفاية كده – لفت نظري خطبته في حشود قطعان “الحركات الإسلامية” المساقة إلى رابعة العدويّة -التي يكفّرها تيّارهُ الواسع- ابتدائه بحديثٍ يخرجُ النبي صلى الله عليه وسلم من دائرة والنبوّة و الرحمة التي بعثهُ اللهُ بها للعالمين، ليحوّلهُ إلى مرتزق وقاتل وسفّاح يخيّر الناس بين الإسلام والسيف -وحاشاه صلوات ربي وتسليماتُهُ عليه- . عاصم عبد الماجد يظهرُ هذا اليوم وجهاً غريباً ربما هي نشوة الخطابة في الأعداد الكبيرة وربّما غير ذلك. ربّما.

هل راجع عاصم عبد الماجد نفسهُ فعلاً -في كتب المراجعات التي كتبها وأقرّ ما فيها، وأتصفحها أن الآن بين يديّ- أم كان “معرّصاً” فقط. ؟

تساؤل مهمّ، وأهمية السؤال تبدأُ من كون عبد الماجد قد استدل على مخالفة ما كان قد فعله ورفاقه “بالدليل الشرعي” أي الكتاب والسنة وأقوال الفقهاء على حرمة ما فعل أو مجانبتِهِ للصواب على أقل تقدير، وها هو اليوم ينقضُ غزلَهُ أنكاثاً ويقول بخلافِ كلّ ما قاله في مراجعاتهِ ليرجعَ -تقريباً- إلى سيرتَهُ الأولى اللهم إلا أنهُ في السلطة -أو في جانبها على الأقلّ- الآن.

عاصم عبد الماجدمؤلفاً ومعدّاً مع أسامة إبراهيم حافظ، وأقرّ ووقع على ما كتبوا “كرم زهدي، علي الشريف، ناجح إبراهيم، عصام دربالة، فؤاد الدواليبي، حمدي عبد العظيم” الذين يعدّون الآباء المؤسسين لما يعرفُ -بالجماعة الإسلامية- ذات التاريخ الذي لا يخفى على أحد.. نشروا سلسلة تعرفُ باسمها الذي نشرت به “بسلسلة تصحيح المفاهيم ” -وتعرفُ أيضاً بالمراجعات- بالعناوين الآتية

  •  مبادرة إنهاء العنف، رؤية شرعية ونظرة واقعيّة
  • .حرمة الغلوّ في الدين وتكفير المسلمين
  • تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء
  • النصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين

هذه الكتب الأربعة ستكونُ مصادري في أقوال عاصم عبد الماجد ورفاقهُ حول رؤاه الفكرية والشرعية حول هذه الأشياء وهي الآراء والكتب التي اعتمدوها ووقعوها، وأقرّوا بها.

حتى تكون الأمور واضحة، تعرّ فُ نفسها تظاهرات 30 يونيه الجاري وحركة تمرّد \نفسها على أنها حركات سلمية تهدفُ إلى أهداف ومطالب واضحة ومحددة وسيكون خطوتها الأولى في التصعيد بعد جمع التوقيعات هي خطوة التظاهر السلمي في كافة أرجاء الجمهورية للمطالبة بهذه المطالب والضغط في سبيل تحقيقها سلمياً، مع الاحتفاظ بحقّ الدفاع عن النفس ومقاومة العدوان على النفس والمال والعرض -الذي هو واجبٌ بالدليل الذي يعتمدُهُ عاصم عبد الماجد وزملاؤه-.

ماذا يسمّي عاصم عبد الماجد محاولة استفزاز هؤلاء المتظاهرين لافتعال العنف معهم وتهديدهم المتكرر -بثورة إسلامية- وبقتلهم وبكل هذه الأشياء التي لا تعدو كونها -فنجرة بق- ؟ أنا أسميها  إيفوريا السير في ركب السلطة.

ليس هذا مجال نقاشنا الآن.

لنشرعُ في سوق بعد الاستدلالات التي استدل بها السيد عاصم عبد الماجد على نفسه عام 1997 لإدانة ما فعلهُ قبل ذلك وهاهي تدينُهُ الآن على أقوالها وتهديداته.

يخوضُ الشيخ عاصم في كتاب مبادرة وقف العنف في بابِهِ الأوّل في المصلحة والمفسدة، ويرى أنه من المفسدة قتال مسلمي الشرطة، الذين لا يزعم السيد عاصم عبد الماجد أنه لا يكفّرهُم -لكنّه بالطبع يكفّرُ كل من سيخرج يوم 30 يونيه بسهولة أكبر- يرى مفسدة متحققة في المال والنفس والعرض ومفسدة للدعوة وإساءة لصورة الإسلام والحركة الإسلامية في الداخل والخارج وتحقيقاً لمآرب العدو المتربص بالإسلام، ويرى أنه لن تتحق مصلحة من دفع الأذى” من تعذيب واعتقال وتقتيل واضطهاد وإهانة ومنع من ممارسة الدعوة” عن شباب الحركة الإسلامية  ويرى أن القتال مع الدولة سيؤدي إلى تفاقم ذلك كما أثبتت التجربة، وصرّح أنّ الحلّ في الصبر.

تعقيباً على ذلك: هل يرى الشيخ عاصم الآن أن المصلحة تتحقق باندلاع الحرب الأهلية والاقتتال بين أبناء البلد من المسلمين وبين تيار الشيخ عاصم من “إسلاميين” ؟ هل يرى عاصم عبد الماجد عدم كفر الشرطة -التي قتل منها 118 شخص- وهي التي عذبت ونكّلت وقتلت زملاءهُ من الإسلاميين وسجنتهُ وعذبتهُ شخصياً، ويرى كفر من خرج في دعوة سلميّة يوم 30 يونيه لرفع ما حاق بهِ من أذى ودفع ما نزل بهِ من ظلم من مرسي وشيعتِه.. ألا ترى أن منطقك معوجّ يا شيخ عاصم، لكن ما من حرج إن أقررت أنّ ما قلتهُ عام 1997 وأن مراجعاتك هذه ليست إلا تقية – أو ما نسميه نحن بالعاميّة تعريصاً-.

في الباب الثاني يطرح الشيخ عاصم رؤية واقعيّة للتقاتل، ومَن مِن مصلحتِهِ استمرار التقاتل بين الجماعات الإسلامية والدولة – الدولة التي هي حليف للغرب وإسرائيل- يرى الشيخ عاصم أن استمرار الصراع يصبّ في مصلحة إسرائيل ويشغل عن النضال لتحرير التراب الفلسطيني -الذي لم نرى الشيخ عاصم وزملاءهُ يجاهدون لتحريرهِ البتّة- وأمريكا والغرب التي من مصلحتها استمرار تخبّط العالم الغربي والإسلامي لتستأثر بموارده، وأضاف أيضاً شريحة ثالثة -هي بعض العلمانيين الذين يرون تصفية الطرفين الرجعيين “الإسلاميين والدولة” مصلحة لهُم، وسبحان الله استدلّ عليهم بمحامِ شيوعي كبير كان محامٍ للجماعات الإسلامية في بعض قضاياها.!!

هل يرى الشيخ عاصم الآن أن هذه الظروف التي تكلّم عنها في “رؤيتَهُ الواقعيّة” قد تغيرت وأن فلسطين قد تحررت، وأن إسرائيل اختفت من الوجود، وأن الغرب صار من مصلحته ازدهار الدول العربية والإسلاميّة حتى يحرّض الآن الشيخ عاصم على الاحتراب الأهلي والاقتتال بين أبناء الوطن والدين والملّة والمذهب الواحد! سبحان الله، ما أسرعَ ما ارتددت على عقبيك يا “يا فضيلة الشيخ” ..

في الباب الثالث ” تصحيح المفاهيم” يورد الشيخ “ورفاقه” عدّة موانع لاستمرار القتال -أو لحدوثه- يذكر منها في المانع الخامس مثلاً وجود مسلم في صفوف المشركين- يخالف هنا الشيخ عاصم إمامهُ ومولاه ابن تيمية في فتواه الشهيرة في التترس – الذي يخالف فيها ابن تيمية الإمام مالك ويخالفُ أيضاً نصّاً قرآنيّاً صريحاً.. وافق الشيخ عبد الماجد النصّ القرآني ورأي الإمام مالك وكان الحق هنا أحبّ إليه من شيخه! لكن يا شيخ عاصم هل تقطع بكفرِ كلّ من نزل 30 يونيه، ألن يكون منهم مسلماً واحداً يقول بالشهادتين؟ بل ألن يكون هناك نساء وأطفال ولو كانوا مشركين في هذه التظاهرات التي تدعو لردعها وقتل من فيها ويدعو بعض رجالك لإطلاق الكلابِ عليها و إطلاق النار إلى غير ذلك من البلاهات والتفاهات؟ النساء والأطفال المشركين الذين قضيت بعدم جواز قتلهم إذا تترس بهم المقاتلون كما نقلت عن الشوكاني ومالك والأوزاعي ووافقتهم! ..

اراك تتخبّط وتناقضُ كلّ ما كتبت وترجع سيرتك الأولى، غرّاً شاباً لم تقرأ ما قرأتَهُ وراجعت نفسك على أساسه بعد أن اطّلعتَ عليه بحسبِ قولك.

في المانع السادس يذكر توبة المرتدّ ورجوع الباغي! هل استتبت من حكمت بردّتهم وهم يشهدون الشهادتين ويؤدون الفروض ربما بأكثر مواظبةٍ منك ومن بعض رجالك؟ لا أعلم كيف فعلت إن كنت فعلت وكما ذكرت يا شيخ عاصم في مبحثك التاسع أن عمر تبرّأ من الذين قتلوا مرتداً لأنهم لم يستتيبوه ثلاثة أيّام؟ وبما إننا قد ذكرنا المبحث التاسع، فهل بلغت الدعوة كل من ستخرج لقتالهم في 30 يونيه؟ لقد بلغهم ما في دعوتكم من غلظة وجفاوة وسوء أدب وسبّ وقذف وخوض في الأعراض! هل تعدّ ما يسيل من فم دعاة التيار الإسلامي من أذىً وقذىً دعوة وصلت لعموم من سينزلون؟ .

كلّ ما ذكره الشيخ عاصم كان “حبّ من طرف واحد” أقصد هدنة من طرف واحد مع الدولة التي كانت تقتل وتسفك الدماء وتستحلّ الأعراض وتنتهك البيوت، والآ يُجلِبُ بخيلهِ ورجلهِ على متظاهرين سلميين عزّل ويحرّض عليهم! وهذا سيدفعُنا دفعاً للتساؤل حول ما قالهُ من مراجعات وسيدفعُنا إلى تساؤل آخر حول مرؤته، فلستُ أظنّ أن رجل يستسيغ التراجُعَ والانهزام أمام سلطة قمعية شرسة، ويستطيبُ الهجوم والتهديد والوعيد للمدنيين العزّل إلا رجلٌ يُنظرُ في أمرِ مروءتِه.

وهذا ما كان من تعليق بسيط أوّليّ وتتبعهُ تعليقاتٌ أُخَر، إن أردتُم. 

والسلام.

Read Full Post »

لماذا أبو هريرة؟

عندما تبدأ الحديث عن منظومة الحديث لا يمكن لبالك إلا أن يقفز إليه ذلك الاسم أو هذه الكنيةأبو هريرة، الصحابي الذي اختلف على اسمه بين ثلاثين اسماً كما قال النوويوقال القطب الحلبي أربعة وأربعين بحسب ما أورد بن حجر في الإصابة يرجح المحققون ولا ندري لماذااسم عبد الرحمن بن صخر الدوسي، تتبادر كنيته إلى ذهنك لا لشيء إلا أنه روى ثمانية آلاف وأربعمئة وسبعين حديثًا مما يعدونه صحيحاً، منها ربع أحاديث البخاري وأكثر من نصف أحاديث مسلم ، فعند الحديث عن منظومة الحديث لا يمكنك أن تتجاهل عموداً مهماً من أعمدتها كأبي هريرة.

وكم اﻷحاديث الذي يرويها أبو هريرة عن انتقاد كثرة روايته في عصره، تعددت صيغها، كقوله فيما أورده البخاري حوالي أربع مراتومسلم والإمام أحمد مرتين: “إنكم تزعمون أن أبا هريرةيكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلمإلى آخرهومارواه حدّث به هو ذاته عن روايته ما لم يروه سواه من المهاجرين واﻷنصار رضوان الله على من أحسن منهم– : “ويقولون مال المهاجرين واﻷنصار لا يروون مثل أحاديثهكما ورد في صحيح البخاري ومسند أحمد. فهذا يرينا أن أبا هريرة وحديثه لم نكن أول المتسائلين عنهما بل سبق إلى ذلك معاصريه من كبار الصحابة عامّ، ومنهم سيدنا عمر رضي الله عنهحين يقول أبو هريرة بعد وفاة عمر رضي الله عنه : إني ﻷحدثكم بأحاديث لو سمعني عمر لجلدني عليهاوسيدنا عمر أعلم وأخبر منّا بأبي هريرةحين ردّ شهادته التي شهدها بالظنّوقال له تنطعت في شهادتك

ومرجع البحث في أحاديث أبي هريرة أن أحاديثه يضرب بعضها بعضاً صراحة، ويناقض الثابت من التاريخ والسيرة وأخلاق النبي، وما يخالف المنطق السليم، وما يخالف العلم الثابت القطعي وما يتعارض مع صريح القرآن الكريم الذي لا تشابه فيه، وخلطه في النسبة إلى الرسول ما لم يقله وما رواه عمّن لم يلق النبي صلى لله عليه وسلم ككعب الأحبار مثلاً.

يتبادر إلى الذهن سؤال، كم مكث أبو هريرة مع النبي صلى الله عليه وسلم كي يروي عنه ثمانية آلاف حديث تشكل ربع اﻷحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح التسعة؟

أما إسلام ابي هريرة فكان في أوائل السنة السابعة، فمكث مع النبي صلى الله عليه وسلم من شهر صفر في العام السابع ثم ذهب إلى البحرين مع العلاء بن الحضرمي في شهر ذي القعدة من العام الذي يليه أي العام الثامن كما أوردت الروايات في طبقات بن سعد وتاريخ الطبري وأسد الغابة وسير أعلام النبلاءوالتاريخ الكبير وفتح الباري واﻹصابة. أي أن مدة مكثه مع النبي صلى الله عليه وسلم لم تطل عن سنة وتسعة أشهر فقط!!

ولم نجد عند أحد غير أبي هريرة إثبات ملازمته للنبي صلى الله علي وسلم على ملء بطنه كما روى أبو هريرة نفسه في روايات متعددةإذ لو كان هذا صحيحاً وأنه يشهد إذا غابوا ويحفظ إذا نسوا فقد الصحابة ليعتبرونه مرجعاً يستندون إليه عند الاختلاف لا أن يمنع من الرواية في خلافة سيدنا عمر وعثمان!!

وهل شغل المهاجرين واﻷنصار تجارتهم وأموالهم كما قال أبو هريرة وشغل السيدة عائشة المرآة والمكحلة فعلاً، وإن كان كذلك فهل لم يشغل النبي صلى الله عليه وسلم أي شيءٍ من دعوة واكتساب رزق وخدمة أهله وغير ذلك حتى لازم أبا هريرة طيلة هذه المدة التي يقدرها أكثر الذين يحابون أبا هريرة وهم على خطءٍ بيّنبثلاث سنوات، وهي لا تتجاوز السنتين بأيّ حالٍ كما أوردنا، حتى يروي عنها كلّ هذا القدر مما يلزم المسلمون وما لا يلزمهم بل ويلبس عليهم دينهم ويضرب بعضه القرآن!!؟

وفي هذا السياق نورد حديثاً يرويه أبو هريرة لا تجد ما يدعوك لتصديقه إذ يقول عن نفسه :- قدمت ورسول الله بخيبر وقد زدت على الثلاثين،فأقمت معه حتى مات، أدور في بيوت نسائه وأخدمه وأغزو معهوأحج فكنت أعلم الناس بحديثه” .. ففي هذه الرواية تواجهنا معضلات عدّة منها أن أبا هريرة لم يقم مع النبي حتى وفاته ولم يحضر حجّة النبي صلى الله عليه وسلم الوحيدةلكونه قد كان بالبحرين حينها، أما عن غزوه مع النبي فهذا لا قبل ﻷحد بتصديقه، إذ أن أبا هريرة لم يرو عنه أنه كان من الشجعان أو كبار المجاهدين قطّ بل على العكس تماماً فهو يروي فراره في غزوة مؤتة وتعيير ابن عمّ له بفراره يومها كما أورد الحاكم في مستدركه. فكيف يسعنا تصديق هذا بكل هذا التناقض الواضح!؟

 

ولا نرى ﻷبي هريرة خصوصية تدعو النبي صلى الله عليه وسلم أن يخصه بهذا العلم على كثرتهدون سائر الصحابة كرفيقه الذي كان ليتخذه خليلاً أبي بكر الصديق وابن عمّه وزوج ابنته سيدنا عليّ عليه وعلى آل البيت جميعاً السلامفيقول أبو هريرة كما يروي البخاري في كتاب العلم حفظت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعائين فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعومفهل يسرّ النبي صلى الله عليه وسلم بأمور ديننا وهو المكلف بالبلاغ كما قال الله تعالى يا أيها النبي بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالتهثم ألا يتنافى قول أبي هريرة هذا مع قوله تعالى لتبيننه للناس ولا تكتمونه“!؟

 

في الحديث عن النهم :

الصلاة خلف علي أتمّ، وسماط معاوية أدسم، وترك القتال أسلم”  بقول أبي هريرة هذا الذي ورد في السيرة الحلبية وروض اﻷخيار المنتخب. فنرى هنا أي شخصية نحن بصددها تلك التي تعرف أين الحق ومع ذلك تهرع لسماط معاوية لتأكل من مضيرتِه التي قال عنها في رواية أخرى أنها أطيب ..!

 

حدثوناعنأبيهريرة:

قيل من ضمن ما اختلف في اسمه أنه عبد الرحمن بن صخر الدوسي، أسلم عام خيبر سنة سبع للهجرةوقدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيمن كان قد قدم من اليمن من الدوسيين مع أبي موسى اﻷشعريحين كان صلى الله عليه وسلم يقسم غنائم خيبر فسأل أبو هريرة النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل المجاهدين أن يقسم له فقبلوا، بحسب ماقال أبو هريرة وورد في صحيح البخاري.- وقدم أبان بن سعيد من سرية سيرها النبي صلى الله عليه وسلم إلى نجد فقال أبو هريرة للنبي صلى الله عليه وسلم: لا تعطه أي أبان بن سعيدفقال له أبان واعجباً لك يا وبر تدأدأ من قدوم ضأنفلم يزد النبي على ان قال ﻷبان اجلس” ..فلا أدري كيف يصل أبو هريرة بعد الغزوة ويقسم له ثم يسأل أن لا يقسم لمن كانوا في الغزو!..

ثم يرد سؤال هنا، وهو لماذا تأخر قدوم أبي هريرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم زمن اضطهاده، وهو معروف أنه قد ـسلم قبل ذلك، فيقول بن حجر في فتح الباري، أن أبا هريرة ومن معه علموا ما كان من النبي من محاربة الكفار، فلما بلغتهم المهادنة، أمنوا وطلبوا الوصول إليهفهو يثبت هنا ما قاله أبان بن سعيد من تحقير شأنه وأنه لا قبل له بالقتال، لانعدام طاقته، ولانعدام شجاعته.

 

خيبر:

ممّا هو ثابت حدّ التواتر ان أبا هريرة لم يشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم خيبر فيما رواه هوَ أو رواه أبو موسى اﻷشعري أو غيرهما، فيذكر البخاري عن أبي هريرة أنه قال افتتحنا خيبرويروي نفس الحديث في باب آخر شهدنا خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم” . فتدبّر!!

 

بين أبي هريرة وكعب اﻷحبار:

يخبرنا الذهبي في سير أعلام النبلاء أن أبا هريرة قد حمل أي روىعن كعب الحبر ، ونقل الذهبي كذلك عن كعب اﻷحبار أنه قال، ما رأيت أحداً لم يقرأ التوراة أعلم بما جاء فيها من أبي هريرة/.

أما ما يرويه أبي هريرة عن كعب اﻷحبار ثم ينسبه للنبي صلى الله عليه وسلم فنورد هنا حديثٌ أورده مسلم في صحيحه أن أبا هريرة قال: “ أخذ رسول الله بيدي،فقال خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم اﻷحد، وخلق الشجر يوم الإثنين،وخلق المكروه يوم الثلاثاء،وخلق النور يوم اﻷربعاء، وبث فيهما الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة في آخر الخلق من آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة فيما بين العصر إلى الليل.”

وكما هو واضحٌ أن نصّ هذا الحديث مخالف للنص القرآني الذي لا يقبل تأويلاً أن الله خلق السماوات واﻷرض في ستة أيامففي حديث التربة هذا قد خلق الله اﻷرض في اﻷيام الستة جميعها!! وهذه ليست المعضلة الوحيدة فبخلاف هذا التضارب مع القرآن يذكر البخاري وابن كثير أن أبا هريرة قد تلقى هذا الحديث عن كعب اﻷحبار!! فالسؤال هنا كيف إذا كان قد تلقى الحديث عن كعب اﻷحبار أن يجوز له القول أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ بيده!! ولا أظنّ بحال أن مثل هذا الحديث قد تصحّ نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأي حال.

وشاهدُ أقوى أن أبا هريرة قد نقله فيما نقل عن كعب اﻷحبار أن الطبراني قد أورد خبراً مشابهاً عن عبد الله بن سلام الحبر اليهودي الذي أسلم! فتفكّر.

ويتكرر هذا في أحاديث عدة، يبدو فيها الكذب صراحاً ﻷيّ عاقل غير متحيّز يخشى على الدين أن يوضع فيه ما ليس منه ليجد أعداءه مدخلا للطعن فيه!.. لا يطمع أن يحافظ على كرسيّ حاكم بأحاديث تحريم الخروج والسمع والطاعة، واسترقاق الناس واستعبادهم.

 

أما آن لنا أن ننظر لتراثنا نظرة علميّة فاحصة نميّز بها الغثّ والمهتريء والمنافي للفطرة السليمة ولما ورد في كتاب الله وما ثبت من صحيح السنّة النبوية المطهرة من فعل النبي مما تواتر نقله عن عموم المسلمين وخيرتهم من كل صفات محمودة أتى الإسلام ليرسخها مثل حرية المرء واحترامِهِ والإعلاء من قيمته! بدلاً من فتح باب عظيم للطعن على الإسلام والقدح فيه، فهذا غيض من فيضٍ يقطع بأن الرواية من هذا الطريق أقل ما يقال عنها أنها محلّ شكٍ وارتياب وارتباك شديد.

 فهلاّ تختلف نظرتنا ولو قليلاً الآن، وهل نشرع الآن في مشروع بحثي ينفض غبار اﻷزمنة المتعاقبة ومصالح الفقهاء عن هذا الدين ليعود ديناً إنسانياً لا تشوبُه هذه الشوائب التي ليست من دين الله في شيءأتمنّى.

 

Read Full Post »

شهادة للتاريخ

عبد العظيم أنيس

التقيت بها بالصدفة على مائدة العشاء عند بعض الأصدقاء في الأسبوع الماضي ، ولم تكن تعرف عني غير أنني أستاذ بالجامعة ، ولم أكن أعرف عنها غير أنها إنجليزية مهتمة بقضايا التعليم وأنها ليست بعيدة عن نشاط المجلس البريطاني الثقافي في القاهرة .

ولأن مكاني على المائدة جاء مجاوراً لمكانها . ولأن أدب الحوار يقتضي نوعاً من الحديث والحوار ، فقد سألتها إن كانت مقيمة بمصر منذ مدة طويلة ؟ .. قالت : أربع سنوات . قلت : وهل تروق لك الحياة بمصر ؟ قالت : نعم باستثناء المتاعب المعروفة ، المواصلات ، الضوضاء ، المجاري .. إلخ لكني أحب هذا الشعب الكريم المضياف والصبور أيضاً .

ومضى الحديث على هذا النحو التقليدي حتى فاجأتني بسؤال أطار النعاس من عيوني والملل من نفسي .

قالت : قل لي بالله كيف تسمح أنظمتكم التعليمية بدخول الحاصلين على الثانوية البريطانية “ المستوى العادي “ الجامعات المصرية مع أن هذه الشهادة في بلادنا لا تؤهل الحاصل عليها إلا للخروج من المدرسة الثانوية إلى العمل ، وأن الطالب في بريطانيا عليه أن يمضي عامين في الدراسة قبل أن تقبله الجامعة وكيف تقبل جامعاتكم طلبة لم يدرسوا لغتكم القومية ، اللغة العربية ، في السنتين الثانية والثالثة الثانوية . إن الوضع الذي أراه هنا هو أن أعداداً هائلة متزايدة كل عام من الطلبة المصريين بعد نجاحهم في امتحان السنة الأولى الثانوية في مدارسهم المصرية يتقدمون لامتحان المجلس البريطاني في الشهادة الثانوية البريطانية ، وهي لا تتضمن بالطبع امتحاناً في اللغة العربية ، ويحصلون عليها خلال عام وبعدها يدخلون جامعاتكم ، فكأنهم بذلك وفروا عاماً كاملاً من دراستهم ووفروا مشقة دراسة اللغة العربية سنتين كاملتين ، وجامعاتكم تقبلهم على ذلك ! هل يمكن أن تفسر لي هذا اللغز ؟ وكيف يتسق كل هذا مع مبدأ تكافؤ الفرص الذي تتحدثون عنه كثيراً !؟

قلت : هذا سؤال جدير بأن توجهيه إلى وزير التعليم في مصر ، وأمين المجلس الأعلى للجامعات ، ورؤساء الجامعات المصرية ، الذين قبلوا على أنفسهم هذا الوضع المهين لشهادة الثانوية المصرية ، والذين رضوا على طيب خاطر بسياسة القفز من فوق القواعد الديمقراطية لدخول الجامعة مجاملة لبعض الفئات القادرة في مصر وصاحبة الصوت العالي . ولقد فات عليك أن تذكري أن طالب الثانوية البريطانية المصري قد وفر على نفسه أيضاً مشقة دراسة الرياضيات في المناهج المصرية لمدة عامين ، لأنك ، كما لا شك تعرفين أن مناهج الرياضيات في الثانوية البريطانية أدنى كثيراً من مناهج مصر .

قالت : نعم أعلم ذلك ، وذلك أمر طبيعي لأن شهادتنا لا تؤهل أحداً لدخول الجامعة ، ولو حاول أحد من الحاصلين على الثانوية البريطانية ، التقدم إلى جامعة بريطانية لرفض طلبه طبعاً . وبالمناسبة لم أفهم أيضاً ، كيف قبلت السيدة جيهان السادات أصلاً كطالبة في قسم اللغة العربية في كلية الآداب ، مع أنها لم تؤد امتحانها في مناهج اللغة العربية للمرحلة الثانوية ؟ ألم تتقدم إلى جامعة القاهرة بشهادة الثانوية البريطانية ؟

قلت – وأنا أزداد خجلاً : هذا سؤال جدير أن يوجه لرئيس قسم اللغة العربية في كلية الآداب ولعميد كلية الآداب ورئيس جامعة القاهرة آنذاك . وسألتها عن عدد الطلاب المصريين المتقدمين هذا العام للثانوية البريطانية فقالت على الفور : لدى المجلس البريطاني موعدان للجلوس إلى هذا الامتحان .. يناير و يونيو ، والعدد المتقدم من الطلاب المصريين في كل موعد يزيد على الألفين ! فكم يكون العدد بعد عدّة سنوات ؟

ولأن العشاء انتهى بسرعة فقد حمدت الله على انصرافنا دون أن أضطر إلى إجابة السيدة الإنجليزية على هذه الأسئلة المحرجة . لكني فكرت وأنا عائد إلى منزلي أن هذه قضية جديرة بأن تفتح على صفحات الصحف مرات ومرات ، وأنه ، رغم أنه قد سبق لي أن أثرت الموضوع على صفحات “ الأهالي “ منذ عدّة شهور ، فإنه من الضرورة إلقاء أضواء جديدة على الظروف التي ظهرت فيها هذه الموضة ” الجديدة ” التي يقبل عليها بأعداد متزايدة أبناء القادرين والأثرياء لدخول الجامعة من الباب الخلفي !

إنني أعتقد أن هذا الباب الخلفي قد فتح على مصراعيه في عام 1974 عندما كان ابن رئيس الجمهورية السابق طالباً في الثانوية العامة . كنت آنذاك وثيق الصلة بوزارة التربية والتعليم ، فقد كنت رئيساً للجنة القومية لتعليم الرياضيات في التعليم العام ، وكنت مستشاراً للوزارة ومشرفاً على تدريب المدرسين في الرياضيات المعاصرة ، وكنت أزور المدارس التي طبقت بها المناهج الجديدة ، وأناقش نظار المدارس في توزيع جدول الرياضيات على المدرسين وفي اختيار المدرسين أنفسهم للتدريس في الفصول المختلفة ، وأحضر كثيراً من الحصص بنفسي .

ومن بين هذه المدارس التي كنت أزروها آنذاك مدرسة بروسعيد بالزمالك ، حيث كان جمال السادات ، وكان معروفاً بالمدرسة أنه يستحيل عليه أن ينجح في امتحان الثانوية العامة المصرية ( القسم العلمي ) ، فما بالك بالحصول على مجموع يدخله كلية مثل كلية الهندسة!

في هذا الوقت بدأت صحف الحكومة فجأة تتحدث عن صعوبة مناهج الثانوية العامة ، وإلى هنا فإن الأمر طبيعي إلى حد ما. لكن الأغرب من ذلك أن الموضوع دخل مجلس الوزراء .. نعم أخذ مجلس الوزراء يناقش صعوبة مناهج الثانوية العامة ، وكان د.عبدالقادر حاتم يرأس المجلس ، وقرر تشكيل لجنة وزارية لبحث الموضوع ! إن الشكوى من مناهج التعليم العام أمر طبيعي والآراء تتفاوت بين التربويين تتفاوت حول هذا الموضوع ، لكن الطبيعي أن يدور الجدل حول هذا في أروقة الوزارة المختصة .. وزارة التعليم. أما أن يجد مجلس الوزراء الوقت لمناقشة مناهج الثانوية العامة بالذات وفي عام 1974 بالذات عندما كان جمال السادات طالباً بالثانوية العامة . فلا بد أنه كان مصادفة سعيدة !

وقد شكلت اللجنة الوزارية لبحث هذا الموضوع من المرحوم د.حسن الشريف وزير التأمينات ود.محمود عبد الحافظ وزير الإسكان ، والدكتور كامل ليلة وزير التعليم الأسبق والمرحوم الأستاذ علي عبد الرازق وزير التربية والتعليم . واستدعيت أنا لحضور اجتماعات اللجنة مع أساتذة آخرين من الجامعات ومن رجال الوزارة في مكتب وزير التأمينات. يشهد على هذه الواقعة كثيرون من رجال الجامعات منهم د.صبحي عبدالحكيم رئيس مجلس الشورى الأسبق والذي كان يمثل مادة الجغرافيا ، والدكتور محمد أنيس والذي كان يمثل مادة التاريخ ، والدكتور محمد النادي الذي كان يمثل مادة الطبيعة . ولقد قلت للصديق المرحوم د.حسن الشريف ساخراً في التليفون : “ إن العلاقة بين التأمينات ومناهج الثانوية العامة لابد وثيقة ، وإلا ما عقدتم الاجتماع في وزارة التأمينات “.

ولقد كان واضحاً أن الأستاذ علي عبد الرازق لم يكن راضياً عن هذا العمل ، ولذلك لم يحضر الاجتماع وحضر الدكتور كامل ليلة الاجتماع قرب نهايته ، ودارت المناقشة أساساً بين المستشارين وبين وزيري التأمينات الاجتماعية والإسكان . وكان واضحاً من أول الاجتماع ، أن مادة الرياضيات هي المستهدفة بالاختصار الشديد ، ولذا دارت مناقشة حادة بيني وبين وزير الإسكان طالت لأكثر من ساعة ، وصممت على موقفي برفضي طلب وزير الإسكان بإلغاء كتاب التفاضل والتكامل من مناهج الثانوية العامة ، والتفت دكتور محمود عبد الحافظ إلى المرحوم الدكتور حسن الشريف وقال بالإنجليزية بصوت مسموع “ لا فائدة .. لا يوجد طريق للتفاهم “ .

وأرسل لي أستاذ جامعي تحت منضدة الاجتماع ورقة سلمها لي الدكتور صبحي عبد الحكيم – الذي كان يجلس بجواري ، يقول فيها “ كفى .. إنك لن تقنع هؤلاء الناس بشي أبداً “.

وانفض الاجتماع وأنا على موقفي ورجال الوزارة منأساتذة الرياضيات متضامنون معي في هذا الموقف مقتنعون بالأسباب التي أبديتها في رفض طلب وزير الإسكان .

كان هذا فيما أذكر في يناير 1974 ، وبعدها نسيت الموضوع ، وانشغلت بأعمال كثيرة منها وضع امتحان الثانوية العامة لدور يونيو سنة 1974 في الرياضيات ، ومنها الإعداد لسفري إلى بريطانيا لمدة ستة أشهر – من مايو إلى أكتوبر – كأستاذ زائر في إحدى جامعات بريطانيا .. حتى كان يوم جمعة خلال شهر مارس سنة 1974 خرجت فيه مع أسرتي لقضاء النهار في “ برج المنوفية “ وتناول الغداء هناك .

وعندما عدنا بعد الظهر أخبرنا الجيران أن سيارة من رئاسة الجمهورية جاءت تسأل عني مرتين ، وأن رجلاً بالسيارة ترك لدى الجيران ورقة لتسليمها لي ، وعندما فتحت الورقة وجدت أنها من مكتب الرئيس ومكتوب عليها بالحبر “ رجاء الاتصال بأرقام التليفونات …. ، ثم توقيع غير واضح . وادرت قرص التليفون بأحد هذه الأرقام وقلت “ أنا فلان … ماذا تريدون مني ؟ “ وعرفت أن الذي يرد على التليفون هو رجل عرف عن نفسه أنه العقيد رؤوف ، وأنه يريد أن يعرف متى يرسلون سيارة من الرئاسة لحضوري إلى منزل الرئيس لأن جمال لديه أسئلة في الرياضيات يريد أن يسألني فيها ؟

وامتلأت نفسي بالغضب وقلت لمحدثي وأنا أحاول أن أضبط أعصابي ، إنك لا شك لا تعلم أن أستاذ الجامعة يحال إلى مجلس تأديب إذا أعطى دروساً خاصة “

قال في برود “ لا أعرف “ .

وقلت : “ أنا واثق من ذلك .. وواثق أيضاً أنك لا تعرف أنني واضع امتحان الثانوية العامة !

قال في برود أيضاً : “ لا .. لا أعرف ، وأعطيته أحد المدرسين الأوائل بالمدارس الثانوية ليتصلوا به حتى يجيب على أسئلة جمال السادات في الرياضيات ووضعت السماعة .

لكنني بقيت في ثورة غضب طوال الليل ، وحاولت المرحومة زوجتي أن تهديء من غضبي ، وفي الصباح ذهبت إلى وزير التعليم .. المرحوم علي عبد الرازق لأخبره بما حدث ولأعرف منه إن كان على علم بهذه المهزلة أم لا.

لقد كنت ومازلت أكن لهذا الرجل محبة ، لسابق معرفتي به ، ولم أكن أتصور أن يكون له صلة بهذا الموضوع . ولقد أثنى الرجل على موقفي ، لكني وجدته يحاول أن يقنعني بالذهاب مرة واحدة إلى منزل السادات لتقييم “  الولد “ كم قال : فأمه منزعجة بسبب حالته وهي تخشى عليه من الرسوب في الامتحان ولا تعرف ماذا تصنع .

وفهمت من الوزير أنها كثيرة الاتصال به في هذا الموضوع ، وأنه يشعر بحرج شديد .

قلت له : “ لماذا لا ترسل أحد مفتشي الوزارة أو مدرسيها الأوائل لتقييم الولد ، إن كانت المسألة مجرد تقييم . إنني أريد ان أعرف من الذي أعطاهم اسمي بالذات “.

قال الوزير : “ إن اسمك موجود على الكتب ، والكل يعرف أنك تزور المدراس كثيراً لمتابعة مشروع الرياضيات المعاصرة الذي بدأ مع اليونسكو .

وصممت على رفض طلب الوزير وقد حاول مستخدماً معي حججاً أخرى ، فقد قال : “ إن السادات خارج من حرب أكتوبر ، وليس لديه وقت للإشراف على الولد “.

وضحكت وقلت “ هل تريد أن تقنعني أن السادات لو لم يكن خارجاً من حرب أكتوبر لساعد ابنه في الرياضيات ؟ إنني بصراحة لا أتوقع من وزير التعليم أن يطلب مني هذا الطلب “.

وانصرفت من مكتب الوزير حزيناً وتملكني شعور بأن ما حدث بالأمس ليس إلا المحاولة الثانية ، بعد فشل المحاولة الأولى في اختصار المناهج بشدة على يد اللجنة الوزارية ، وكان أشد ما أحزنني هو الشعور بأن مصر تدار كعزبة .. وعلى الخولي والتملي والأنفار أن يكونوا في خدمة السيد صاحب العزبة ، وأن الحديث عن سيادة القانون هو عبث في عبث .

ولم يمض على هذه الواقعة أكثر من شهر حتى حدث تعديل وزاري ! وخرج المرحوم علي عبد الرازق من وزارة التربية والتعليم ، وعين دكتور مصطفى كمال حلمي مكانه في أبريل سنة 1974 ، وذهبت إليه مهنئاً كصديق قديم – لكنني حكيت له القصة بأكملها وسألته إن كان يعرفها فقال إن هذه أول مرة يسمع بها ، قلت على الفور :

“على أي حال لقد رويت لك تلك القصة حتى لا يحاولوا معك “

كان هذا في أبريل سنة 1974 ولم يبقى على امتحان الثانوية العامة المصرية غير شهرين . وقد عرفت بعد ذلك أن شخصاً ما تقدم لهم بالحل العبقري .. وهو إخراج ابن السادات من امتحان الثانوية العامة المصري وإدخاله امتحان الثانوية الإنجليزية في يونيو ، حيث لا يوجد امتحان في اللغة العربية ، وحيث امتحان الرياضيات هو امتحان الضرب والقسمة !

أما من هو الشخص لم أعرف .. ومنذ ذلك الحين اكتشف أبناء القادرين وتلاميذ المدارس الخاصة ما اكتشفه ابن السادات عام 1974 ، وهو أن هناك باباً خلفياً لدخول الجامعات المصرية حتى ولو كنت لا تعرف أي شيء عن لغتك القومية ، كما لا تعرف شيئاً في الرياضيات ، وهذا الباب الخلفي يدعى “ الثانوية الإنجليزية “.

فمتى يتحرك وزير التعليم لتصحيح هذه الأوضاع المشينة .

 

Read Full Post »