Feeds:
Posts
Comments

Posts Tagged ‘التظاهر’

المظاهرة و التظاهر و الجدار

مَن نُخاطِب

 

في إطار توضيح المسميات يجب علينا أن نميز هذه الكلمات التي تطرق الأسماع يومياً , فالمظاهرة هي من الفعل ظَاهَر وهي تعني المناصره أما التظاهُر فهو الفعل تظاهر أي أبدى و أظهر , و في إطار تعريفهما اصطلاحياً أو عملياً فإنهما كلمتان شهيرتان تفيدان التجمع للتعبير عن قضية ما عن طريق رفع الشعارات، و يتخذ رفع الشعارات صور عدة منها الهتاف و هو الصورة الأشهر و الأخرى وهي رفع الشعارات المكتوبة و المصورة وأحياناً في بانرات و يدعم خذه الفاعليات التي يعرف أنها تأخذ شكلاً ثابتاً أو متحركاً بيان أو منشور يوزع بالتزامن مع حدوثها لشرح أسبابها و توضيح أبعاد القضية التي دُعي للتظاهر من أجلها و في الصورة المُثلى يتولى أعضاء من منظمي المظاهرة مسؤولية شرح ومناقشة ما ورد في البيان في أماكن التجمعات التي تمر بها المظاهرة أو المسيرة من مقاهي و تجمعات سكنية وغيرها .

 

في ماسبق يتضح تماماً أن المسيرات و المظاهرات بأنواعها هي عمل جماهيري بالمقام الأول هدفها التواصل مع الجمهور لدعم قضية ما , ولحشد هذا الجمهور وتنظيمه من أجل هذه القضية التي يرى فيها مصلحته المباشرة الواضحة لدعمها واستخدام كافة أشكال الضغط و النضال لتحقيق مطالبه ومصالحه .

يطرح هذا تساؤلا مهماً عن ” مَن تخاطب في المظاهرات ؟ ” , دأبت الحركات السياسية -في نماذج عدة- خلال العشر سنوات الماضية على نمط يكاد يكون ثابت في تحديد أماكن التظاهرات دون دراسة حقيقية لجدوى هذه الأختيارات و أبعادها وقربها من تحقيق الأهداف , نجد تركز المظاهرات في ماقبل يناير على اماكن ثابتة مثل نقابة الصحفيين وصنم الثورة الأكبر ” ميدان التحرير ” , لم ينجح المتظاهرون قبل الثورة إلا قليلاً ونادراً في الوصول إلى ميدان التحرير و التجمع فيه للتظاهر , أما نقابة الصحفيين فلمن تصل الشعارات التي نرفع ؟ تقريباً لا أحد , نقابة الصحفيين في موقعها من شارع عبد الخالق ثروت لا تجد إلا نقابة المحامين بجوارها و جراج دار القضاء ومبانٍ أخرى مُصمتة, لتجاوز الحديث عن نقابة الصحفيين إذا وضعنا عامل القمع الأمني الذي يصعب عملية التظاهر في كل مكان و يجعل تسيير المسيرات مهمة عسيرة , لكننا و في الاستثناءات القليلة لانتفاضات فلاحية و عمالية , كفلاحي العمرية وسراندو و المحلة الكبرى في السادس من أبريل عام 2008  , كُسرت قبضة الأمن الحديدية عن الأماكن التي سارت فيها المظاهرات أو حدثت فيها المظاهر الاحتجاجية , وهذا كما هو واضح بسبب القوة الغير مسبوقة لهذه الاحتجاجات لوجود الأهالي و الجماهير فيها لأنها خرجت و بدأت من بينهم .

 

التحرير كنموذج لمخاطبة الجدران .

اكتسب التحرير رمزيته الشهيرة لموقعه الحيوي من القاهرة حفز على ذلك ترسيخه كنقطة ارتكاز لحوادث تاريخية  عديدة منذ أن عرف باسم ميدان الإسماعيلية في الاحتجاجات أمام الإنجليز و انتفاضة الطلاب وقصيدة الكعكه الحجرية و الاعتصام فيه و الحديث عن ميدان التحرير تكويناً يخبرنا عن ما/ماذا تخاطب ؟

إذا بدأنا من جهة شارع القصر العيني سنجد الجامعة الأمريكية ويليها مجمع التحرير ويليه جامع عمر مكرم ويليه على مبعدة مبنى الحزب الوطني المحروق يليه المتحف المصري ثم على الجانب الآخر عدد من الشركات السياحية والمحلات التجارية والمطاعم يليها شارع طلعت حرب التجاري , مبان خرساء صماء مصمته ترفع في وجهها التي لا ترانا شعارات تخاطب الجمهور , قد نتحدث في لحظة تاريخية سابقة أنه قد توجب التوجه للتحرير لرمزيته بل و فعاليته في خلق أزمة باعتباره قلب القاهرة كدور هام له في تكوين العصيان , لكن حين بدأت الثورة في قدرها ” كطبيعة أي ثورة ” لم يصبح هذا الدور مناسباً أصبح الهام جداً حشد الجمهور وتنظيمه حول قضاياه الأساسية أخرى ” الديموقراطية , العدالة الأجتماعية ” بديلاً عن الانعزال في مربع التحرير المحروق , الذي يحيلك إلى الحادث من كراهية الجمهور للتحرير و من فيه لتعطيل مصالحهم لسبب لا يدرونه , أيضاً وبديهياً لم تنجح في اجتذاب التجار و أصحاب المحلات وأهالي المنطقة الذين يسكنون على مقربة من الميدان أو حتى تحييدهم نظراً لتضررهم المباشر اقتصادياً وجسدياًأحياناً لسبب لا يفهمونه كذلك َ!

طنطا تستعير النموذج كاملاً .

كانت طنطا ونتاجاً لحركة نشطة خلال الثلاثة أعوام التي سبقت الثورة ومن اليسار في الجامعة تحديداً بؤرة نشطة منذ الأيام الأولى لثورة يناير بشكل فاجأ حتى حركيي المدينة, صارت المظاهرات تتجمع أمام المحافظة كممثل للسلطة القمعية و النظام المستهدف بالتغيير والإزالة , ولكن إذا انطلقنا مع المظاهرة  التي اتخذت من المحافظة نقطة تجمع فقط و انطلقت تجوب الشوارع السكنية من طه الحكيم و المدارس و تصل إلى المحطة والجنبية عادت بأضعاف أضعاف أعدادها و آلاف مؤلفة أرهقت الأمن وكسرته حال الاشتباك , اتخذت المسيرات طوال أيام الثورة الأولى طرقاً عدة تمر جميعها بالمناطق شديدة الكثافة السكانية فسارت مثلاً من شوارع عمر بن عبد العزيز وسعيد و الحلو إلى الجلاء ثم إلى البحر ثم عودة إلى المحافظة بعد التواصل مع أكبر قدر من الجمهور , كانت هذه صورة شبه مثالية للتظاهر كما يجب أن يكون، لتوفر كامل العناصر ومن ضمنها وجود البيانات المرافقة للمظاهرة .

أخذت أشكال الاحتجاج تتخذ شكلاً مغايراً بعد ذلك لتجعل عادتها التوقف أمام مبنى المحافظة ثم التوجه إلى القرب من المديرية لتشتبك مع قوات الأمن ثم تنفض المظاهرة بعد ذلك ولنرى كيف استعارت طنطا نموذج التحرير ‘ نتحدث عن موقع المحافظة، فالمحافظة يقابلها في الجهة الأخرى كلية التربية و يجاور المحافظة دار المناسبات , و الحزب الوطني المنحل , فالري , فالمستشفى الجامعي والجهة الأخرى مركز تجاري ثم مستشفى جامعي ثم مسجد الشيخة صباح فمركز تجاري على الجانب الأخر بجوار كلية التربية تجد أرض مدرسة صادق الرافعي فمدينة الطالبات الجامعية , ففيلا , ثم نجد إدارة الجامعة , جميعها مبان صماء خرساء لا ترد الهتافات ولا تسمعها ولا ترى الجموع , صرنا نسمع أنفسنا , الهتافات ثم تعود بعد ذلك إلى البيوت وقد أنهكنا الهتاف أو الغاز !

 صارت المسيرات لا تتجاوز الوقوف بشارع البحر أمام المحافظة و السير فيه الذي هو شارع خدمي لا يسكنه أحد أو السير بشوارع كشارع النادي الذي يقطنه في الغالب ضباط مديرية الأمن أو شارع ذي كثافة منخفضة سكانياً كالنحاس , أُفرَغ التظاهر من معناه ومن هدفه و تحول إلى أداة لأرضاء ضميرنا الثوري بدلاً منه كأداة قابلة و قوية للحشد و رفع الوعي و التواصل مع الجمهور الحقيقي للقضية .

 

ما المَخرَج ؟

ليس لدى أي أحدٍ منا تخطيطاً واضحاً وخطاً محفوراً للصواب لكن المنهج العلمي و التحليل الموضوعي يقودنا على الأقل لقراءة أخطائنا و التعلم منها , بمعان و أسباب كثيرة نحن ننطلق من الجمهور وليس إلى الجمهور , لابد أن تتواجد الفعاليات جميعها من كافة أشكال العمل الجماهيري في مجالها الحيوي , بين جمهورها المهتم هذا الجمهور الذي يبحث عن الثقة فيه و الاهتمام به .

في أماكن بطنطا كالسلخانة و سيجر و العجيزي , كمناطق مكتظة سكانياً يتواجد فيها العديد من أبناء الحركات الثورية يجب أن تُنسق المجموعات جغرافياً لتعمل معاً وضمن أهدافها الواضحة ” الديموقراطية و العدالة الاجتماعية ” في نطاقها الحيوي وسط أهلهم وجيرانهم بداية من المنشور و البيان و المجلات وعروض الفيديو حتى التظاهر ووسائل التصعيد الأخرى المختلفة . هذا هو الطريق الأول وحجر الزاوية نحو بناء تنظيم ثوري جماهيري يضع الثورة على مسارها الصحيح مرة أخرى ويوحد الجهود المهدرة ويصبها في نهرها ومجراها الطبيعي .

 

هذا ليس كتالوجاً لكيف تصنع تظاهرة ناجحة فالتظاهر فَن , جزء كبير منه يعتمد على الحس و الأدراك و التواصل مه الجمهور إلا أن جزء منه عملي يعتمد على التجربة و الخطأ , ولا عيب في الخطأ شريطة أن يكون مقدمة لنجاح مبني على تصويب هذا الخطأ, فمن غير اللائق بذكائنا أن نستمر فيما ثبت فشله أو عدم جدواه آملين أن يحدث نتائج مختلفة , لأنه لن يُحدثها ولو كررنا المحاولة إلى الأبد .

هذه دعوة لإعادة التفكير و المناقشة و التطوير لآلية مهمة من آليات العمل الجماهيري و هي آلية التظاهر , حتى لا تفقد جدواها كأداة هامة وضاغطة في دورها الأساسي كوسيلة لحشد و تنظيم وتحريض ورفع الوعي والاتصال مع الجماهير الحقيقية للثورة .

لنضع جهدنا في تطوير آلياتنا و أدواتنا القديمة والجديدة لنتبعه نحو هدف لأتمام مهام الثورة ولنتخطى المرحلة الأهم نحو الأنجاز و تحقق سلطة الجماهير وقدرتها الحقيقية على قيادة نفسها , ولتتم مهمتنا الكبرى في بناء تنظيمنا الثوري لتنتصر الثورة .

Read Full Post »